الفجر
06-30-2008, 10:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبوتمام
ولولا خلالٌ سنّها الشّعرُ ما دَرَى = بُغَاةُ المعالي أين تُؤتى المكارمُ
أستمر الشعر في اللغة العربية ولقرون عديدة يحث على تأصيل الاخلاق الرفيعة ويمجد الافعال البطولية والتصرفات التي ترفع قيمة الافراد في مجتماعتهم وقبائلهم
وقد أختصرها أبوتمام كما سبق ايراده في ان الشعر كان سببا رئيسيا في حفظ وتوارث المكارم.
ولكن اغراض الشعر لم تقف عند تأصيل سنن الخلال الحميدة مثل قول الشافعي الغزلي الراقي:
يقولون: لا تنظر فذاك بلية * بلى كل ذي عينين لا بد ناظر
وهل باكتحال العين بالعين ريبة * اذا عف فيما بينهما السرائر؟
وكذلك المديح مثل قول عنترة:
يفيضُ عطاؤه من راحَتيْهِ = فما ندري أبَحْرٌ أم غمام
وقد خلَعَتْ عليه الشَّمْسُ تاجاً = فلا يغْشى مَعَالِمَهُ ظلاَمُ
جَواهرهُ النُّجومُ وفيه بدرٌ = أقلُّ صِفاتِ صورتِه التّمام
وكذلك الرثاء مثل قول مالك بن الريب في رثاء نفسه حين انضم الى جيش عثمان ابن عفان رضي الله عنه
تذكرت من يبكـي علـيَّ فلـم أجـد=سِوَى السَّيْف والرَّمْحِ الرُّدَيْنِي بَاكِيـاَ
ولَمَّـا تـراءت عنـد مَـرْوٍ مَنِيَتِـي = وَخَلَّ بها جِسْمِـي وحَانَـتْ وَفَاتِيـاَ
أقول لأصحابـي : ارفعونـي فإنـهي = قِـرُّ بِعَيْنِـي أن سُهَيْـلٌ بَـدَا لِـيـاَ
وكذلك الحكمة مثل قول الشافعي:
يخاطبني السفيه بكل قبح= فاكره ان اكون له مجيبا
يزيد سفاهة فازيد حلما =كعود زاده الاحراق طيبا
و امتدت اغراض الشعر الى مناطق فكرية ليس من السهل طرقها على مبداء حرية التعبير مثل الغزل بانواعه فمنه الغزل العذري المباح ومنه الغزل الماجن الذي قد يصل الى درجة التحريم .
يقول الدكتور محمد هدارة (باحث سوري) ان الشعر الماجن ظهر وازدهر في اللغة العربية منذ القرن الثاني الهجري أي بمعنى بعد انتقال الخلافة من الامويين الي بني العباس وينقل (هدارة) وجهة نظر لطه حسن حيث يزعم " د. طه حسين أنّ التماجن في الشعر قد بدأ بتحول السلطة من الأمويين إلى العباسيين، ويرمي من وراء ذلك إلى أنّ العنصر الفارسي كان له الأثر البارز في نشوء هذه الظاهرة" ، ثم تبنّى هدارة هذا الرأي عندما لاحظ أنّ أغلب الشعراء المُجّان كانوا من الموالي، وهذا مؤداه إلى أمرين:
الأول : يشي بأنّ عهد بني أمية كأنّه عهد لم يُعَبّر فيه الشّعراء إلا عن الفضائل، وهذا غير صحيح على الإطلاق فصور النقائض التي شارك فيها كبار شعراء بني أمية كلّها في الهجاء القائم على التهتك وتتبع سوءات الشعراء والطعن في أنسابهم وتحقيرهم إلى الحدّ الذي تنتفي فيه إنسانيتهم، ثم إنّ شعر الفرزدق وما فيه من فحش هل يُصَنّف خارج دائرة المجون؟
وإذا أعدنا النظر في غزل الأمويين كغزل عمر بن أبي ربيعة ووضاح اليمن وغيرهما، فهل نجد في ذلك الغزل ما يخالف غزل بشار وأبي نواس؟ والأهم من ذلك هل كان الشعر الجاهلي بمنأى عن التعابث والمجون، فماذا بشأن خمريات الأعشى هل تخرج عن المجون؟ وهل نستطيع أن نعد شعر الأعشى ومجاهرته بشرب الخمرة وفتونه بها إلى الدرجة التي صرفته عن الدخول في الإسلام أقل من ظاهرة فنية؟
والثاني يتصل بالحكم النقدي المعزول عن الموضوعية، فهل كان كلّ شعراء المجون من الموالي؟ ألم يكن أبو دلامة زند بن الجون والحسين بن الضحاك الخليع وغيرهما على رأس شعراء المجون في العصر العباسي؟
لقد تسنى للدكتور هدارة أن يقول: "إنّ المجون لم يكن دعوة ساذجة بريئة تدعو إلى الترف والتظرف الاجتماعي فحسب، وإنما هو نتيجة مؤثرات عميقة اجتماعية وفكرية ودينية".
وبين الفضائل و الرذائل احترنا نحن السماعة لما يجب ان نسمع وما لا يجب ان نسمع فالميزان خرج من دائرة الشاعرية وحرفة صناعة الابيات والقوافي الى دائرة الحلال والحرام.
ولكي لا يصبح نقاشنا هنا دينيا بحتا وددت ان اورد لكم بعض الابيات ولنحاول نقدها من جميع الجوانب الادبية و الاجتماعية والدينية.
ويستطيع من يود ان يشارك ايراد وجهة نظر او أبياتا من الشعر لتشريحها ونقدها تحت اشراف شعرائنا المميزين وهم ولله الحمد كثر في المنتدى فهناك الاستاذ حسن بوشو والاستاذ علي آل راشد والاستاذة خالدة باجنيد والاستاذ الذي تشرفنا بتواجده الجميل الاستاذ الغوغي.
وعلى دروب الخير نلتقي.
قال أبوتمام
ولولا خلالٌ سنّها الشّعرُ ما دَرَى = بُغَاةُ المعالي أين تُؤتى المكارمُ
أستمر الشعر في اللغة العربية ولقرون عديدة يحث على تأصيل الاخلاق الرفيعة ويمجد الافعال البطولية والتصرفات التي ترفع قيمة الافراد في مجتماعتهم وقبائلهم
وقد أختصرها أبوتمام كما سبق ايراده في ان الشعر كان سببا رئيسيا في حفظ وتوارث المكارم.
ولكن اغراض الشعر لم تقف عند تأصيل سنن الخلال الحميدة مثل قول الشافعي الغزلي الراقي:
يقولون: لا تنظر فذاك بلية * بلى كل ذي عينين لا بد ناظر
وهل باكتحال العين بالعين ريبة * اذا عف فيما بينهما السرائر؟
وكذلك المديح مثل قول عنترة:
يفيضُ عطاؤه من راحَتيْهِ = فما ندري أبَحْرٌ أم غمام
وقد خلَعَتْ عليه الشَّمْسُ تاجاً = فلا يغْشى مَعَالِمَهُ ظلاَمُ
جَواهرهُ النُّجومُ وفيه بدرٌ = أقلُّ صِفاتِ صورتِه التّمام
وكذلك الرثاء مثل قول مالك بن الريب في رثاء نفسه حين انضم الى جيش عثمان ابن عفان رضي الله عنه
تذكرت من يبكـي علـيَّ فلـم أجـد=سِوَى السَّيْف والرَّمْحِ الرُّدَيْنِي بَاكِيـاَ
ولَمَّـا تـراءت عنـد مَـرْوٍ مَنِيَتِـي = وَخَلَّ بها جِسْمِـي وحَانَـتْ وَفَاتِيـاَ
أقول لأصحابـي : ارفعونـي فإنـهي = قِـرُّ بِعَيْنِـي أن سُهَيْـلٌ بَـدَا لِـيـاَ
وكذلك الحكمة مثل قول الشافعي:
يخاطبني السفيه بكل قبح= فاكره ان اكون له مجيبا
يزيد سفاهة فازيد حلما =كعود زاده الاحراق طيبا
و امتدت اغراض الشعر الى مناطق فكرية ليس من السهل طرقها على مبداء حرية التعبير مثل الغزل بانواعه فمنه الغزل العذري المباح ومنه الغزل الماجن الذي قد يصل الى درجة التحريم .
يقول الدكتور محمد هدارة (باحث سوري) ان الشعر الماجن ظهر وازدهر في اللغة العربية منذ القرن الثاني الهجري أي بمعنى بعد انتقال الخلافة من الامويين الي بني العباس وينقل (هدارة) وجهة نظر لطه حسن حيث يزعم " د. طه حسين أنّ التماجن في الشعر قد بدأ بتحول السلطة من الأمويين إلى العباسيين، ويرمي من وراء ذلك إلى أنّ العنصر الفارسي كان له الأثر البارز في نشوء هذه الظاهرة" ، ثم تبنّى هدارة هذا الرأي عندما لاحظ أنّ أغلب الشعراء المُجّان كانوا من الموالي، وهذا مؤداه إلى أمرين:
الأول : يشي بأنّ عهد بني أمية كأنّه عهد لم يُعَبّر فيه الشّعراء إلا عن الفضائل، وهذا غير صحيح على الإطلاق فصور النقائض التي شارك فيها كبار شعراء بني أمية كلّها في الهجاء القائم على التهتك وتتبع سوءات الشعراء والطعن في أنسابهم وتحقيرهم إلى الحدّ الذي تنتفي فيه إنسانيتهم، ثم إنّ شعر الفرزدق وما فيه من فحش هل يُصَنّف خارج دائرة المجون؟
وإذا أعدنا النظر في غزل الأمويين كغزل عمر بن أبي ربيعة ووضاح اليمن وغيرهما، فهل نجد في ذلك الغزل ما يخالف غزل بشار وأبي نواس؟ والأهم من ذلك هل كان الشعر الجاهلي بمنأى عن التعابث والمجون، فماذا بشأن خمريات الأعشى هل تخرج عن المجون؟ وهل نستطيع أن نعد شعر الأعشى ومجاهرته بشرب الخمرة وفتونه بها إلى الدرجة التي صرفته عن الدخول في الإسلام أقل من ظاهرة فنية؟
والثاني يتصل بالحكم النقدي المعزول عن الموضوعية، فهل كان كلّ شعراء المجون من الموالي؟ ألم يكن أبو دلامة زند بن الجون والحسين بن الضحاك الخليع وغيرهما على رأس شعراء المجون في العصر العباسي؟
لقد تسنى للدكتور هدارة أن يقول: "إنّ المجون لم يكن دعوة ساذجة بريئة تدعو إلى الترف والتظرف الاجتماعي فحسب، وإنما هو نتيجة مؤثرات عميقة اجتماعية وفكرية ودينية".
وبين الفضائل و الرذائل احترنا نحن السماعة لما يجب ان نسمع وما لا يجب ان نسمع فالميزان خرج من دائرة الشاعرية وحرفة صناعة الابيات والقوافي الى دائرة الحلال والحرام.
ولكي لا يصبح نقاشنا هنا دينيا بحتا وددت ان اورد لكم بعض الابيات ولنحاول نقدها من جميع الجوانب الادبية و الاجتماعية والدينية.
ويستطيع من يود ان يشارك ايراد وجهة نظر او أبياتا من الشعر لتشريحها ونقدها تحت اشراف شعرائنا المميزين وهم ولله الحمد كثر في المنتدى فهناك الاستاذ حسن بوشو والاستاذ علي آل راشد والاستاذة خالدة باجنيد والاستاذ الذي تشرفنا بتواجده الجميل الاستاذ الغوغي.
وعلى دروب الخير نلتقي.