بدرية عبدالرحمن
03-15-2008, 12:39 AM
البنغالي..
أسوأ ما في الحياة قد يكون أجمل ما فيها بعد حين
حين نبقى لنرويه لمن جاؤوا بعدنا ونسقي القصة بدمع الاعتبار ...ولو كنا أبعد مانكون عن الاعتبار..
كنت أبلغ الحادية عشر من عمري حين كنت أهرع كل صباح ولما أغسل وجهي وقذى عيني بعد لأعبث بعبد القادر...عامل مزرعتنا البنغالي الهزيل...
لست أدري أي متعة كانت تملؤني أنا وابن عمي في حشو أفواهنا بالسخرية بهذا الكائن وافتعال المقالب التي نقطّع بها أيام عطلة صيفية لاهبة مروّعة في مزرعتنا على طرف الديرة..
لم يكن شيء أكثر إبهاجا من منظر عينيه الحمراوين وهو يرمقنا بقلة الحيلة أثناء عمله..وقد مر من أذنه حجر أو لطخ ثوبه المتسخ قطعة طين..
يزجرنا بصوت عال حاد لا يفزّع الطير...ويضمن لنا حفلة ضحك يومية لا تنتهي حتى بخيزرانة عمي وهي تهوي علينا...
ولا بوعظ أمي وهي تخوّفنا بالله وانتقام العمال بالقتل والتقطيع للصغار المؤذين..
كنا أشقياء ومصدرا للأذى وحسب...ولا أبعد في عقل أحدينا من ضحكة يوم ومباراة عصر مملوءة بالتراب واللعان والشتيمة .....وشاورما تقطر دهنا مع قارورة ببسي في نهاية اليوم...كنا....قبيحين وأكثر...طفلين في الحادية عشر وأكثر...
عبد القادر كان يصلي كل يوم في المسجد...وكنا نتعمد أن نصف بجواره لكي نسد أنوفنا ونشعره بتقززنا فيحرج...ونحدث حركة ضاحكة جدا تربك صف الصلاة الوحيد في مسجد القرية...
لاشيء في الدنيا أروع من إذلاله ومنظره وهو يتأذى...ومنظره وهو يكرهنا...ومنظره ونحن نكرهه...
لاشيء في الدنيا كان أجمل من كراهيته...
حين ضربنا عمي بالعقال تلكم المرة بسبب ما أحرجناه امام الرجال لمحنا اتقاد عيني عبد القادر وهو يخرج صامتا لعمله...عينان حمراوان وظهر هزيل يركز ثوبا واسعا لا يكاد يظهر تحته من لحم الدنيا شيء..
قررنا أن ننتقم من تلكم النظرة الشامتة بنا وأن نخطط طوال الليل كيف سنفزعه صباح اليوم التالي ونسكب عليه ماءً مثلّجا من البرّادة...
اعترض ابن عمي بأن هذا سيكون أفضل ما سيحصل عليه هذا البنغالي الـ(كلب) وهو في عزبته الساخنة..لماذا لانسكب عليه ترابا ساخنا من تراب المزرعة؟
كانت أختي الصغيرة تتسمع لخطتنا وتهددنا بفضح أمرنا لأمي وأبي وعمي..لم نأبه لها وقد راقت لنا تماما فكرة التراب وكيف سيكون منظره وهو مبتل بالتراب ويجري خلفنا لنضمن ما يكفينا لمدة أسبوع من الضحك والعبث...
لم أنم الليل وأنا أفكر في الخطة...وحين غط عيني النوم رأيت عبد القادر يرمقني بعينيه الحمراوين.. يقبع في ركن غرفته الساخنة في طرف المزرعة...يعبث بأنفه ويعدّل وزرته القذرة..
لم أكرهه؟ لا أعرف...
أ لأنه يعبث بأنفه دائما؟ حسنا ...أنا أفعل ذلك دائما...
أ لأنه أسمر وهزيل؟
أ لأنه بنغالي؟ ربما نعم...
المهم أنه لا أمتع في الدنيا من الضحك عليه وهو يصرخ...لأن صوته كان أصحل حادا كصفير طائر مخنوق...ومضحك...ولم يكن يتحدث العربية جيدا..وهذا يزيد الأمر كوميديا..
إنه وللحق لم يكن يتحدث كثيرا...كان صامتا (وكان في الحلم صامتا أيضا)..حين يتحدّث قليلا فهو لكي يستلم بريده من عمي وحين يستلم راتبه في ملحق بيتنا حيث لا يكاد يجرؤ أن يجلس رغم إصرار أبي... أو يشرب بيالة الشاهي مع عمي الذي يحدثه بصوت خفيض ومن ثم يهز رأسه في قلة حيلة ويربت على كتفه العظمي المبقّع بالطين والتراب..
العجيب أن عمي وهو مالك المزرعة وطالما كان يسوس العمال قبله كما تساس الحمير إلا أن عبد القادر الصامت بعمله الذي لا يكف كان يجعله يهز رأسه (تضامنا أو تعاطفا أو أي شيء)
عبد القادر من البارحة يعمل بلا توقّف ...وحين أخذنا له العشاء كان يصلّي ويبكي ويشهق..
هل تظن ذلك جعلنا نشعر بشيء أو جعلنا ننسى نظرته الشامتة بعد الصلاة اليوم؟
طبعا لا...ونحن نضع الحلّة في الغرفة وننتظر أن يرفع رأسه من السجود..فكّرت أن أركله وهو ساجد ولكن ابن عمي أبى ذلك ووعدني بخطة انتقامية جيدة..
ومنذ أسبوع وأكثر كان عبد القادر يغدو ويروح على عمي الذي كان يلوح بيديه في قلة حيلة ويقول أنه ما في..والله يا عبد القادر ما في...
هل عمي يؤخر راتبه؟
لا يمكن...يرد ابن عمي وهو يفترش الدوشق أمام المكيف....
أبي لا يمكن أن يأكل حق أحد...لكن هذا الجرذ بالتأكيد يريد زيادة راتب..
أو يريد غرفة أفضل...
ما يخسى إلا هو...هو زي الجرذ ...هالغرفة لو في بنغلادش ما يسكنها ملك من ملوكهم..
على فكرة بنغلادش عندهم ملك؟
غفونا متدثرين ببراد المكيف على حلم الخطة البهيجة ...
وانسلت شقيقتي متوعّدة أن تخبر والدي..
ولم أر في النوم أكثر من وجه عبد القادر متحجرا على عينين حمراوين تطفحان بكراهية وألم يكفيان لتلويث الدنيا كلها...
و لربما طال أمد الحلم فجعلت أنظر في عينيه الحمراوين حتى وجدتني أغرق وسط طوفان من الألم والضيق والمرارة...
وشيء كدت أتذوقه في فمي وأنا أغوص في عينين بامتداد قلب إعصار أو قاع دوامة مائية ...تشفطني باتجاه أصوات مريرة وتنهيدات ...
وهم ...أكاد أشعر بثقله فوق قلبي الصغير يدق بانتظام ككتلة حديد صدئة باحمرار عيني عبد القادر..ثابتة راكدة كجمود عيني عبد القادر وشرودهما..
أغضبتني قطرات الماء وهما تهطلان من ذراعي والدي وهو يحاول إيقاظي وإيقاظ ولد عمي للصلاة..رأسي ثقيل ولا يريد أن يتحرك من مكانه...ولا ابن عمي وهو ينقلب شاخرا :
طيب طيب ...
رادا على أبي وهو يطفىء المكيّف: قوموا الصلاة الله يخلف..
فتحت نصف عيني ...أدرت عيني قليلا قبل أن أكمل نومي أعمق مما نمت..
وأكثر إزعاجا مما غصت في عيني عبد القادر..
أحلام طويلة وكبيرة وأصوات صراخ كصفير الطيور المخنوقة وبعضها ملغو بعربية مكسّرة مرت علي وسمعتها في نومي (وأظنها مرت على ابن عمي كذلك)..
حين هرعنا فزعين كانت الشمس قد توسطت السماء ...وعرقنا كان يتصبب حرّا وزهقا..
هرعنا بفنائلنا وسروايلنا بلا ثياب لنرى ما الذي كان يحصل..
أمي كانت تمسح دموعها وتقف خلف الباب ترمق من خلف جلالها..
كان عبد القادر يجري كمجنون في أرجاء المزرعة وبيده مظروف بريدي..
يصرخ في لوعة بحجم السماء والأرض..
يحثو التراب على وجهه ورأسه ويصرخ بلا وعي...بلا انتباه...
يستصرخ الأيام والآلام التي قضاها في مزرعتنا يجمع نقودا لعلاج زوجته..
أبي وعمي يرمقانه بقلة حيلة صامتين...
شقيقتي تهرع لأبي وتشير إلينا أننا من سكب التراب الساخن على رأسه وجعلناه يجن هكذا..
ينهرها أبي لتهرب وهو يمسح دموعه بطرف شماغه..
_ماتت حرمته!
وكان ينتظر بريدها الأسبوعي منذ أكثر من شهر..
ماذا تساوي الأيام التي قضاها عاملا محتقرا في حر الشمس السوداء في كبد السماء...
تلك الجبّارة وهي تنظر إليه بصمت...وبشماتة تتلهّب أكثر...تصفع وجهه الأسمر الفقير الهزيل..
تسخر من فقره وشقائه...تحتقره كما احتقرناه..
تصبب عرقه وتصهر جبهته اللامعة و صلعته ..
هو يصرخ بصوته الأصحل..الحاد كأصوات العصافير المخنوقة..
يحتج على كل الأشياء التي يكرهها وتكرهه...
على القدر...على الأيام..يحتج على الشمس والصحراء والتراب..
على الطين ينظر إليه صامتا باردا...
على النخيل التي لقّحها وعانقها ترمقه في غرور ولامبالاة..
على رؤوس البرسيم والشعير تطالع بعضها وترقب حسرته وتعود تهزها الرياح وترقصها ...
كل شيء يكره عبد القادر..
كل شيء لا يحس بعبد القادر...
كل شيء من حوله يمضي ويجعله يصرخ ملتاعا وحيدا...
يفتح للكائنات حوله يديه الملهوفتين...يرسل إليها لوعته و يصرخ...
وكأنه يستعطفها أن حنانيك..
يجمع ما تسعه يداه النحيلتان ترابا يحثوه على رأسه....
يصفع به وجهه..يحقن به عينيه..
كفاية يا حر الأيام...كفاية يا عذاب البشر...
لم نعد نستبين إلا عويلا ذاهلا...
لم نعد نراه وهو يذوب في حر مزرعتنا...
يتبخّر ويغلي كما تغلي جزيئات الهواء على امتداد البصر في عز القيظ...
يختفي...يصبح لاشيء...
أكثر من بنغالي..كنا نعبث به...
بدرية...
28فبراير2008
أسوأ ما في الحياة قد يكون أجمل ما فيها بعد حين
حين نبقى لنرويه لمن جاؤوا بعدنا ونسقي القصة بدمع الاعتبار ...ولو كنا أبعد مانكون عن الاعتبار..
كنت أبلغ الحادية عشر من عمري حين كنت أهرع كل صباح ولما أغسل وجهي وقذى عيني بعد لأعبث بعبد القادر...عامل مزرعتنا البنغالي الهزيل...
لست أدري أي متعة كانت تملؤني أنا وابن عمي في حشو أفواهنا بالسخرية بهذا الكائن وافتعال المقالب التي نقطّع بها أيام عطلة صيفية لاهبة مروّعة في مزرعتنا على طرف الديرة..
لم يكن شيء أكثر إبهاجا من منظر عينيه الحمراوين وهو يرمقنا بقلة الحيلة أثناء عمله..وقد مر من أذنه حجر أو لطخ ثوبه المتسخ قطعة طين..
يزجرنا بصوت عال حاد لا يفزّع الطير...ويضمن لنا حفلة ضحك يومية لا تنتهي حتى بخيزرانة عمي وهي تهوي علينا...
ولا بوعظ أمي وهي تخوّفنا بالله وانتقام العمال بالقتل والتقطيع للصغار المؤذين..
كنا أشقياء ومصدرا للأذى وحسب...ولا أبعد في عقل أحدينا من ضحكة يوم ومباراة عصر مملوءة بالتراب واللعان والشتيمة .....وشاورما تقطر دهنا مع قارورة ببسي في نهاية اليوم...كنا....قبيحين وأكثر...طفلين في الحادية عشر وأكثر...
عبد القادر كان يصلي كل يوم في المسجد...وكنا نتعمد أن نصف بجواره لكي نسد أنوفنا ونشعره بتقززنا فيحرج...ونحدث حركة ضاحكة جدا تربك صف الصلاة الوحيد في مسجد القرية...
لاشيء في الدنيا أروع من إذلاله ومنظره وهو يتأذى...ومنظره وهو يكرهنا...ومنظره ونحن نكرهه...
لاشيء في الدنيا كان أجمل من كراهيته...
حين ضربنا عمي بالعقال تلكم المرة بسبب ما أحرجناه امام الرجال لمحنا اتقاد عيني عبد القادر وهو يخرج صامتا لعمله...عينان حمراوان وظهر هزيل يركز ثوبا واسعا لا يكاد يظهر تحته من لحم الدنيا شيء..
قررنا أن ننتقم من تلكم النظرة الشامتة بنا وأن نخطط طوال الليل كيف سنفزعه صباح اليوم التالي ونسكب عليه ماءً مثلّجا من البرّادة...
اعترض ابن عمي بأن هذا سيكون أفضل ما سيحصل عليه هذا البنغالي الـ(كلب) وهو في عزبته الساخنة..لماذا لانسكب عليه ترابا ساخنا من تراب المزرعة؟
كانت أختي الصغيرة تتسمع لخطتنا وتهددنا بفضح أمرنا لأمي وأبي وعمي..لم نأبه لها وقد راقت لنا تماما فكرة التراب وكيف سيكون منظره وهو مبتل بالتراب ويجري خلفنا لنضمن ما يكفينا لمدة أسبوع من الضحك والعبث...
لم أنم الليل وأنا أفكر في الخطة...وحين غط عيني النوم رأيت عبد القادر يرمقني بعينيه الحمراوين.. يقبع في ركن غرفته الساخنة في طرف المزرعة...يعبث بأنفه ويعدّل وزرته القذرة..
لم أكرهه؟ لا أعرف...
أ لأنه يعبث بأنفه دائما؟ حسنا ...أنا أفعل ذلك دائما...
أ لأنه أسمر وهزيل؟
أ لأنه بنغالي؟ ربما نعم...
المهم أنه لا أمتع في الدنيا من الضحك عليه وهو يصرخ...لأن صوته كان أصحل حادا كصفير طائر مخنوق...ومضحك...ولم يكن يتحدث العربية جيدا..وهذا يزيد الأمر كوميديا..
إنه وللحق لم يكن يتحدث كثيرا...كان صامتا (وكان في الحلم صامتا أيضا)..حين يتحدّث قليلا فهو لكي يستلم بريده من عمي وحين يستلم راتبه في ملحق بيتنا حيث لا يكاد يجرؤ أن يجلس رغم إصرار أبي... أو يشرب بيالة الشاهي مع عمي الذي يحدثه بصوت خفيض ومن ثم يهز رأسه في قلة حيلة ويربت على كتفه العظمي المبقّع بالطين والتراب..
العجيب أن عمي وهو مالك المزرعة وطالما كان يسوس العمال قبله كما تساس الحمير إلا أن عبد القادر الصامت بعمله الذي لا يكف كان يجعله يهز رأسه (تضامنا أو تعاطفا أو أي شيء)
عبد القادر من البارحة يعمل بلا توقّف ...وحين أخذنا له العشاء كان يصلّي ويبكي ويشهق..
هل تظن ذلك جعلنا نشعر بشيء أو جعلنا ننسى نظرته الشامتة بعد الصلاة اليوم؟
طبعا لا...ونحن نضع الحلّة في الغرفة وننتظر أن يرفع رأسه من السجود..فكّرت أن أركله وهو ساجد ولكن ابن عمي أبى ذلك ووعدني بخطة انتقامية جيدة..
ومنذ أسبوع وأكثر كان عبد القادر يغدو ويروح على عمي الذي كان يلوح بيديه في قلة حيلة ويقول أنه ما في..والله يا عبد القادر ما في...
هل عمي يؤخر راتبه؟
لا يمكن...يرد ابن عمي وهو يفترش الدوشق أمام المكيف....
أبي لا يمكن أن يأكل حق أحد...لكن هذا الجرذ بالتأكيد يريد زيادة راتب..
أو يريد غرفة أفضل...
ما يخسى إلا هو...هو زي الجرذ ...هالغرفة لو في بنغلادش ما يسكنها ملك من ملوكهم..
على فكرة بنغلادش عندهم ملك؟
غفونا متدثرين ببراد المكيف على حلم الخطة البهيجة ...
وانسلت شقيقتي متوعّدة أن تخبر والدي..
ولم أر في النوم أكثر من وجه عبد القادر متحجرا على عينين حمراوين تطفحان بكراهية وألم يكفيان لتلويث الدنيا كلها...
و لربما طال أمد الحلم فجعلت أنظر في عينيه الحمراوين حتى وجدتني أغرق وسط طوفان من الألم والضيق والمرارة...
وشيء كدت أتذوقه في فمي وأنا أغوص في عينين بامتداد قلب إعصار أو قاع دوامة مائية ...تشفطني باتجاه أصوات مريرة وتنهيدات ...
وهم ...أكاد أشعر بثقله فوق قلبي الصغير يدق بانتظام ككتلة حديد صدئة باحمرار عيني عبد القادر..ثابتة راكدة كجمود عيني عبد القادر وشرودهما..
أغضبتني قطرات الماء وهما تهطلان من ذراعي والدي وهو يحاول إيقاظي وإيقاظ ولد عمي للصلاة..رأسي ثقيل ولا يريد أن يتحرك من مكانه...ولا ابن عمي وهو ينقلب شاخرا :
طيب طيب ...
رادا على أبي وهو يطفىء المكيّف: قوموا الصلاة الله يخلف..
فتحت نصف عيني ...أدرت عيني قليلا قبل أن أكمل نومي أعمق مما نمت..
وأكثر إزعاجا مما غصت في عيني عبد القادر..
أحلام طويلة وكبيرة وأصوات صراخ كصفير الطيور المخنوقة وبعضها ملغو بعربية مكسّرة مرت علي وسمعتها في نومي (وأظنها مرت على ابن عمي كذلك)..
حين هرعنا فزعين كانت الشمس قد توسطت السماء ...وعرقنا كان يتصبب حرّا وزهقا..
هرعنا بفنائلنا وسروايلنا بلا ثياب لنرى ما الذي كان يحصل..
أمي كانت تمسح دموعها وتقف خلف الباب ترمق من خلف جلالها..
كان عبد القادر يجري كمجنون في أرجاء المزرعة وبيده مظروف بريدي..
يصرخ في لوعة بحجم السماء والأرض..
يحثو التراب على وجهه ورأسه ويصرخ بلا وعي...بلا انتباه...
يستصرخ الأيام والآلام التي قضاها في مزرعتنا يجمع نقودا لعلاج زوجته..
أبي وعمي يرمقانه بقلة حيلة صامتين...
شقيقتي تهرع لأبي وتشير إلينا أننا من سكب التراب الساخن على رأسه وجعلناه يجن هكذا..
ينهرها أبي لتهرب وهو يمسح دموعه بطرف شماغه..
_ماتت حرمته!
وكان ينتظر بريدها الأسبوعي منذ أكثر من شهر..
ماذا تساوي الأيام التي قضاها عاملا محتقرا في حر الشمس السوداء في كبد السماء...
تلك الجبّارة وهي تنظر إليه بصمت...وبشماتة تتلهّب أكثر...تصفع وجهه الأسمر الفقير الهزيل..
تسخر من فقره وشقائه...تحتقره كما احتقرناه..
تصبب عرقه وتصهر جبهته اللامعة و صلعته ..
هو يصرخ بصوته الأصحل..الحاد كأصوات العصافير المخنوقة..
يحتج على كل الأشياء التي يكرهها وتكرهه...
على القدر...على الأيام..يحتج على الشمس والصحراء والتراب..
على الطين ينظر إليه صامتا باردا...
على النخيل التي لقّحها وعانقها ترمقه في غرور ولامبالاة..
على رؤوس البرسيم والشعير تطالع بعضها وترقب حسرته وتعود تهزها الرياح وترقصها ...
كل شيء يكره عبد القادر..
كل شيء لا يحس بعبد القادر...
كل شيء من حوله يمضي ويجعله يصرخ ملتاعا وحيدا...
يفتح للكائنات حوله يديه الملهوفتين...يرسل إليها لوعته و يصرخ...
وكأنه يستعطفها أن حنانيك..
يجمع ما تسعه يداه النحيلتان ترابا يحثوه على رأسه....
يصفع به وجهه..يحقن به عينيه..
كفاية يا حر الأيام...كفاية يا عذاب البشر...
لم نعد نستبين إلا عويلا ذاهلا...
لم نعد نراه وهو يذوب في حر مزرعتنا...
يتبخّر ويغلي كما تغلي جزيئات الهواء على امتداد البصر في عز القيظ...
يختفي...يصبح لاشيء...
أكثر من بنغالي..كنا نعبث به...
بدرية...
28فبراير2008