بدرية عبدالرحمن
11-23-2007, 12:32 AM
من خطايا الأولين:
الجميل في حكاياهم وأنا أسمعها من فم إحدى العجائز إنها تقول كل شيء...وتجمله...لاتفصّله وتضيع وقتك...
تجعلك تفهم ماتريد (أي الحكاية) مباشرة...دون حتى أن ترهق عقلك بالتفكير والاستنتاج...
ذلك أنه كان لديهم الوقت كله...العمر كله...ليسمعوا...
***
بدايتها هي شور حريم..
حين أتت امرأة سبّابة مشاكل إليها...تعرض عليها ثوبا جميلا لاتستطيع شراءه....
في بيتها الطيني الجميل المحمي برجل سريع الغضب شديد الغيرة ساخن الجوع كريم اليد كثير الولائم...إلى آخره من مواصفات رجال نجد الأولين...
وتبدأ القصة بالتحديد حين تبدأ الدلالة في انتقادها وحشو عقلها المسالم المرتعد بأن تنظر في لبسها...ولبس ابنتها...وبخل زوجها...وكيف أنه يمكن بقليل من العبث أن تشتري دراعة جديدة..وتشتري ربما مجولا...أو حتى معضد حين تكون ماهرة وحريصة...
_وما يمنعك أن تكتسبي من ورائه ؟ هل سيفطن؟ كل الرجال لا يفطنون!
هكذا غادرتها وقد أعطتها الثوب مرهونا بأن تدفع ثمنه ....
وكذلك تعدها أن تأتيها غدا بزبون يشتري بعض ما يوفره الزوج الغيور الغاضب..دون أن يعلم الأخير وهو يظن بيته راضيا قانعا بأن يملأ تمرا وسمنا ودقيقا كل أيام السنة...
يا سلام...من كان يحلم بعيشة كهذه !؟!
تاتي الدلاّلة من الغد بأعرابي .... وتستقبله الزوجة الخائفة ...تصطنع الفهارة والجرأة والتجارة وهي تأمره مرتبكة مذعورة:
_انقث من هالجصّة(1) !
وينقدها الأعرابي فرانسي(2) ويدخل الجصة ليملأ حق الفرانسي...
وكأنني أتصور نشوتها...أو أرى نشوتها في رعشة يديها وهي تقلب الفرانسي الذي لم تره في حياتها....ولاحين دفع زوجها صاحب المزرعة مهرها إلى والدها...ليدفعه إلى والدتها...
هل تذكرون كلكم إحساسنا بطعم الريال في أول يوم مدرسي؟ ما لم تكونوا قد تحسستموه من قبل طبعا!
كان نفس شعورها وهي تتحسسه وتشرّحه إلى أثواب عيد وهدايا لأهلها وعطايا للجارات وطلائع للوالدات ...
ولكن عمر الأحلام في قصص الأولين قصير للغاية...حالما يزمجر صوت الزوج الغيور في عودة للمنزل غير محسوبة...
منذرا بخوف لانهائي...خوف مسعور دفعها أن تقفز إلى الجصة الحجرية وتغلق بابها على الأعرابي..
وهكذا (وحسب القصة) يختنق الأعرابي المسكين..ويموت!
***
ماهو أصعب من أن تخبىء جثة..هو أن تخبىء جثة رجل..ويكون الفاعل امرأة..!
حين كشفت موته داخل الجصة لم يكن هناك من يعينها ليسحب هذه المصيبة ويرميها في قليب المزرعة قبل أن يأتي الزوج...سوى المملوك الأسود!
وهكذا تستدعيه لينقذها من هول موقف قد يكلفها ليس فقط زواجها وسمعتها...وإنما حياتها...
المملوك لا يدع ضعف السيدة الجميلة يمر هكذا...
الخوف البشع في نفسها....
هو ملوى ذراع القصة...والقدر...والفاصل بين القوة والضعف...والحرية والعبودية...
هو ما يجعل المملوك مالكا...والسيدة تذعن لرغبة أثيمة يمليها عليها المملوك...وإلا فسيفشي السر للسيد..!
هكذا تختفي جثة الإعرابي...وسرّه الصغير...والغلطة الصغيرة التي أدت لموته...وموتها بين ذراعي المملوك!
***
والأمر لا ينتهي عند حد مرة واحدة...
في كل مرة ظل المملوك يملك سرا كبيرا تراكمت عليه أسرار أكبر...وفي كل مرة تذعن لرغبته الخاطئة تحت طائلة الخوف اللانهائي..
أذعنت ليس للخطيئة ولكن للخوف وهي تحت ضغط جسد ساخن جائع كبتته العبودية الطويلة..
الآن حياتها وحياة طفلتها على رأس لهب سراج...تحت رحمة رجلين...أحدها مالك غاضب غيور...والآخر مملوك وضيع مستغل مستمتع...
سؤال: ما هو طعم الورطات التي توقعنا فيها غلطات صغيرة بحجم شور امرأة؟
القصة تصوغ لنا تدخلا خارجيا..جعل من كل ما هو أعلاه...ألم مقصود...للعظة والعبرة!
تظن البطلة...(لم يقترح أحد لها اسما بالمرة ...المهم أنها من نساء الأولين)...
تظن أن السر سيدفن مع المملوك الذي استغل خوفها وسرها أبشع استغلال...
حين تدفعه بكل قوتها إلى عمق قاتل وهو يروي من القليب...
وهكذا مات المملوك...واستراحت من الخطيئة...والسر...
ولم يبق إلا التوبة...!
***
هيهات أن تكون الحياة بهذه السهولة...هيهات أن تنتهي أخطاؤنا وتموت أسرارنا بدون أن تكوينا..
بعد أشهر كبر بطنها...وتكوّر ....وطوال أشهر الحمل يطرد قلبها المحروق بالذنب ألم خوف لن ينتهي...
أيكون الطفل عربيا فتكون خطيئتها قد انتهت؟ وقلبها قد استراح؟
أم يكون أسود فتمتد خطيئتها بشعة لا تريد أن تكف عن الكي والتهريج داخل حياتها القصيرة البسيطة؟
ألم يكتفي الموت منها؟
ألم يقتلها كل مرة كان المملوك يراودها عن نفسها؟
ألم يقتلها كل مرة ينهرها فيها زوجها ...يأكل معها وتأكل بلا روح...
أو يضاجعها وهي ترتعد فرقاً من سرّ يحصل في غيابه؟
ماأصعب ضلع الدين...وقهر الرجال..!
***
وهكذا تذهب للبر وبيدها فأس ....تجمع حطبا للولادة (هكذا قالت لرجلها)...وبطنها يرفس معلنا مجيئا لا مرحبا به...
والقصة تقول أنها ذهبت...وجاءت بطفل أسود كالليل...
وحيث أيقنت سواده الذي لا شك فيه....بكت طويلا وتذللت لله تعالى أن يغفر لها ...
لفته في قماطة وعادت به جثة مخنوقة...ورمتها في القليب..
سأل الزوج عن ما في بطنها...أخبرته أن(ها) ولدت ميتة...
وأن القابلة دفنتها فورا...
لم يكترث كثيرا وهو ينام وابنته في بشته الصوفي...طاهرين لم تعلكهما خطيئة...ولم يكوهما سر...ولم يطيّر عقليهما خوف...ولم يقهرهما قدر...
هي لم تنم بقية حياتها من وجد الخطيئة في كبدها ...وقلق الأسرار في مدفنها...
خطاياها التي دفنتها في القليب...الصغيرة...والكبيرة...والأكبر...
شققت دموع التوبة خديها....
ولكن هل تستطيع لذة التوبة أن تغسل ألم الخطايا التي لا نختارها؟
لا أظنها تفعل...
________________
_الجصة: غرفة حجرية في بيوت المزارع النجدية ...يكنز فيها التمر وتغلق بإحكام..
_انقث : النقث هو قطع جزء من العجائن...والتمر المكنوز...والأشياء المتماسكة كالطين ..
_الفرانسي: عملة قديمة جدا قبل الريال..[/size][/color]
الجميل في حكاياهم وأنا أسمعها من فم إحدى العجائز إنها تقول كل شيء...وتجمله...لاتفصّله وتضيع وقتك...
تجعلك تفهم ماتريد (أي الحكاية) مباشرة...دون حتى أن ترهق عقلك بالتفكير والاستنتاج...
ذلك أنه كان لديهم الوقت كله...العمر كله...ليسمعوا...
***
بدايتها هي شور حريم..
حين أتت امرأة سبّابة مشاكل إليها...تعرض عليها ثوبا جميلا لاتستطيع شراءه....
في بيتها الطيني الجميل المحمي برجل سريع الغضب شديد الغيرة ساخن الجوع كريم اليد كثير الولائم...إلى آخره من مواصفات رجال نجد الأولين...
وتبدأ القصة بالتحديد حين تبدأ الدلالة في انتقادها وحشو عقلها المسالم المرتعد بأن تنظر في لبسها...ولبس ابنتها...وبخل زوجها...وكيف أنه يمكن بقليل من العبث أن تشتري دراعة جديدة..وتشتري ربما مجولا...أو حتى معضد حين تكون ماهرة وحريصة...
_وما يمنعك أن تكتسبي من ورائه ؟ هل سيفطن؟ كل الرجال لا يفطنون!
هكذا غادرتها وقد أعطتها الثوب مرهونا بأن تدفع ثمنه ....
وكذلك تعدها أن تأتيها غدا بزبون يشتري بعض ما يوفره الزوج الغيور الغاضب..دون أن يعلم الأخير وهو يظن بيته راضيا قانعا بأن يملأ تمرا وسمنا ودقيقا كل أيام السنة...
يا سلام...من كان يحلم بعيشة كهذه !؟!
تاتي الدلاّلة من الغد بأعرابي .... وتستقبله الزوجة الخائفة ...تصطنع الفهارة والجرأة والتجارة وهي تأمره مرتبكة مذعورة:
_انقث من هالجصّة(1) !
وينقدها الأعرابي فرانسي(2) ويدخل الجصة ليملأ حق الفرانسي...
وكأنني أتصور نشوتها...أو أرى نشوتها في رعشة يديها وهي تقلب الفرانسي الذي لم تره في حياتها....ولاحين دفع زوجها صاحب المزرعة مهرها إلى والدها...ليدفعه إلى والدتها...
هل تذكرون كلكم إحساسنا بطعم الريال في أول يوم مدرسي؟ ما لم تكونوا قد تحسستموه من قبل طبعا!
كان نفس شعورها وهي تتحسسه وتشرّحه إلى أثواب عيد وهدايا لأهلها وعطايا للجارات وطلائع للوالدات ...
ولكن عمر الأحلام في قصص الأولين قصير للغاية...حالما يزمجر صوت الزوج الغيور في عودة للمنزل غير محسوبة...
منذرا بخوف لانهائي...خوف مسعور دفعها أن تقفز إلى الجصة الحجرية وتغلق بابها على الأعرابي..
وهكذا (وحسب القصة) يختنق الأعرابي المسكين..ويموت!
***
ماهو أصعب من أن تخبىء جثة..هو أن تخبىء جثة رجل..ويكون الفاعل امرأة..!
حين كشفت موته داخل الجصة لم يكن هناك من يعينها ليسحب هذه المصيبة ويرميها في قليب المزرعة قبل أن يأتي الزوج...سوى المملوك الأسود!
وهكذا تستدعيه لينقذها من هول موقف قد يكلفها ليس فقط زواجها وسمعتها...وإنما حياتها...
المملوك لا يدع ضعف السيدة الجميلة يمر هكذا...
الخوف البشع في نفسها....
هو ملوى ذراع القصة...والقدر...والفاصل بين القوة والضعف...والحرية والعبودية...
هو ما يجعل المملوك مالكا...والسيدة تذعن لرغبة أثيمة يمليها عليها المملوك...وإلا فسيفشي السر للسيد..!
هكذا تختفي جثة الإعرابي...وسرّه الصغير...والغلطة الصغيرة التي أدت لموته...وموتها بين ذراعي المملوك!
***
والأمر لا ينتهي عند حد مرة واحدة...
في كل مرة ظل المملوك يملك سرا كبيرا تراكمت عليه أسرار أكبر...وفي كل مرة تذعن لرغبته الخاطئة تحت طائلة الخوف اللانهائي..
أذعنت ليس للخطيئة ولكن للخوف وهي تحت ضغط جسد ساخن جائع كبتته العبودية الطويلة..
الآن حياتها وحياة طفلتها على رأس لهب سراج...تحت رحمة رجلين...أحدها مالك غاضب غيور...والآخر مملوك وضيع مستغل مستمتع...
سؤال: ما هو طعم الورطات التي توقعنا فيها غلطات صغيرة بحجم شور امرأة؟
القصة تصوغ لنا تدخلا خارجيا..جعل من كل ما هو أعلاه...ألم مقصود...للعظة والعبرة!
تظن البطلة...(لم يقترح أحد لها اسما بالمرة ...المهم أنها من نساء الأولين)...
تظن أن السر سيدفن مع المملوك الذي استغل خوفها وسرها أبشع استغلال...
حين تدفعه بكل قوتها إلى عمق قاتل وهو يروي من القليب...
وهكذا مات المملوك...واستراحت من الخطيئة...والسر...
ولم يبق إلا التوبة...!
***
هيهات أن تكون الحياة بهذه السهولة...هيهات أن تنتهي أخطاؤنا وتموت أسرارنا بدون أن تكوينا..
بعد أشهر كبر بطنها...وتكوّر ....وطوال أشهر الحمل يطرد قلبها المحروق بالذنب ألم خوف لن ينتهي...
أيكون الطفل عربيا فتكون خطيئتها قد انتهت؟ وقلبها قد استراح؟
أم يكون أسود فتمتد خطيئتها بشعة لا تريد أن تكف عن الكي والتهريج داخل حياتها القصيرة البسيطة؟
ألم يكتفي الموت منها؟
ألم يقتلها كل مرة كان المملوك يراودها عن نفسها؟
ألم يقتلها كل مرة ينهرها فيها زوجها ...يأكل معها وتأكل بلا روح...
أو يضاجعها وهي ترتعد فرقاً من سرّ يحصل في غيابه؟
ماأصعب ضلع الدين...وقهر الرجال..!
***
وهكذا تذهب للبر وبيدها فأس ....تجمع حطبا للولادة (هكذا قالت لرجلها)...وبطنها يرفس معلنا مجيئا لا مرحبا به...
والقصة تقول أنها ذهبت...وجاءت بطفل أسود كالليل...
وحيث أيقنت سواده الذي لا شك فيه....بكت طويلا وتذللت لله تعالى أن يغفر لها ...
لفته في قماطة وعادت به جثة مخنوقة...ورمتها في القليب..
سأل الزوج عن ما في بطنها...أخبرته أن(ها) ولدت ميتة...
وأن القابلة دفنتها فورا...
لم يكترث كثيرا وهو ينام وابنته في بشته الصوفي...طاهرين لم تعلكهما خطيئة...ولم يكوهما سر...ولم يطيّر عقليهما خوف...ولم يقهرهما قدر...
هي لم تنم بقية حياتها من وجد الخطيئة في كبدها ...وقلق الأسرار في مدفنها...
خطاياها التي دفنتها في القليب...الصغيرة...والكبيرة...والأكبر...
شققت دموع التوبة خديها....
ولكن هل تستطيع لذة التوبة أن تغسل ألم الخطايا التي لا نختارها؟
لا أظنها تفعل...
________________
_الجصة: غرفة حجرية في بيوت المزارع النجدية ...يكنز فيها التمر وتغلق بإحكام..
_انقث : النقث هو قطع جزء من العجائن...والتمر المكنوز...والأشياء المتماسكة كالطين ..
_الفرانسي: عملة قديمة جدا قبل الريال..[/size][/color]